يتعلق موضوع هذا المقال بمحاولة جرت في أستراليا لإقامة مستعمرة صهيونية على غرار المستعمرة الصهيونية فى فلسطين . وكان الهدف المعلن هو إنقاذ اليهود الأوربيين والروس من خطر الإضطهاد والإبادة التى كانوا يتعرضون لها .. أما الهدف الحقيقى لمستعمرة كهذه في قلب أسترليا فهو أن تكون دولة مقصورة على اليهود وحدهم مستبعدة ماعداهم من العناصر والديانات الأخرى.. وكأن اليهود في سعيهم لحل مشكلاتهم وتحقيق ذواتهم لا يستطيعون أن يعيشوا إلا كمجموعات منعزلة في ( الجيتو) .. صَغُر هذا الجيتو بحيث يكون مجرد حارة في مدينة أو كَبُر ليملأ حدود دولة بأثرها . أسوق هذه القصة فى هذا الوقت بالذات لكىْ ألْفت بها نظر المسئولين الساسيين الكبار فى بلادنا العربية إلى هذا النموذج الأسترالي من رجال السياسة الذين لم يفرّطون فى أوطانهم ولم يخضعوا للإغراء ولا التهديد ولا الابتزاز من القوى الخارجية .. ولم يسمحوا للأجنبي المحتل بموقع قدم فى بلادهم تحت أى ذريعة .. ولم يبيعوا أرض بلادهم وثرواتها ومؤسساتها الاقتصادية والصناعية تحت عناوين الخصخصة والاندماج فى الإقتصاد العالمى والعولمة ... ولأننى يائس من هؤلاء السياسيين فإننى مضطر للإكتفاء بتوجيه هذا المقال إلى أصدقائى من القراء الذين هم مثلى لا حول لهم ولا قوة .. وأقول معهم: ليس لها من دون الله كاشفة ... لقد أخفقت المحاولات الصهيونية في إنشاء مستعمرة في أسترليا وأ صبحت هذه المحاولات تاريخاً منسياً لا يحاول أحد ان يذكره أو يتذكّره ، فكتب التاريخ لاتتعرض لهذه المحاولات من قريب أوبعيد .. فيما عدا كتاب واحد ظهر على شكل سيرة ذاتية أصرّ صاحبها على أن يكشف عن أبعاد هذه المحاولة وأن يتحدث عنها لا كشاهد عيان فقط بل كصانع للأحداث فى نفس الوقت...[ أحب أن أشير هنا إلى أن هذا الكتاب لفت نظر الأستاذ رجاء النقاش وكنت قد تعرفت عليه أثناء رئاسته لتحرير مجلة "الدوحـة" القطرية (سنة 1982) فوعدت بشراء نسخة من الكتاب وإهدائها إليه فلما سافرت فى إجازتى السنوية إلى أستراليا لم أجد نسخة واحدة فى السوق ، وعلمت أن الكتاب صدر منه ثلاث طبعات فى عام واحد ، وأن جهة ما مجهولة كانت تسحب كل النسخ المعروضة لتختفى ، وقد أعلنت دار النشر أنها تعتزم إصدار الطبعة الرابعة ولم تفعل ، فلما حاولت الإتصال بها هاتفيا علمت أن مقرّها فى مدينة أديلايد قد أغلق ، وأن دار نشر فى سيدنى يملكها يهود قامت بشرائها .. وهكذا إختفت دار نشر ناجحة لمجرد إصرارها على نشر كتاب يحتوى على معلومات لا تعجب الصهاينة ...!] لم يكن الكاتب (و اسمه آرثر كالويل) مؤلفاً عادياً بل كان مفكراً طليعياً ووزيرا بارزاً في الحكومة الأسترالية بل كان زعيماً لحزب العمال في فترة من فترات حياتة السياسية الحافلة، كان شخصية مثيرة فذة ، وجاء عنوان كتابه مثيراً كشخصيته فقد اختار له هذا العنوان : (كُـنْ عادلا ولاتخف) Be Just and Fear Not ... كان آرثر كالويل من معارضى الحرب الفيتنامية، إستنكر تورّط بلاده في تلك الحرب وقاوم تدخل الكنيسة الكاثوليكية في السياسة وتعرض ( بسبب جرأته و مواقفه الحادّة) لحملات صحفية عنيفة كادت تطيح بمنصبه وتقضى على مستقبله السياسى أكثر من مرة ، بل إنه تعرض للاغتيال في يونية 1966 وهو يقود الجماهير الثائرة في سيدنى ضد الحرب الفيتنامية ، وكانت تلك هى حادثة الاغتيال السياسى الوحيدة في تاريخ أسترليا كلّه . وعندما شرع كالويل يدوّن مذكرات حياته فى منزله بمدينة ملبورن عاصمة ولاية فكتوريا نصحه بعض الأصدقاء أن يتغاضى عن بعض الأمور التى قد تسئ إلى حزب العمال الذى ينتمى إليه، أو تسئ إلى الكنيسة الكاثوليكية أو بعض الفئات الأخرى من كبار الشخصيات فى المجتمع الأسترالى ... كان كالويل قد بلغ السابعة والسبعين من عمره حين شرع يؤلف كتابه ولكنه رغم شيخوختة لم يفقد صلابته في قول الحق ولا قوة المنطق واستقامة الفكر .. وهى خصال ظل يتمتع بها طوال حياتة ، لذلك كان ردّه على ناصحيه هو قوله : ( إننى لاأعتقد أن شيئا مما أكتب سوف يلحق الأذى بأحد من هؤلاء الناس الذين يشغلون مراكز مرموقة في هذا المجتمع فأنا أفترض فيهم من القوة مايكفي لأن يواجهوا أنفسهم بعيوبهم ونقائصهم .. وأنا عندما أكشف عن جوانب الضعف في أولئك الذين شابت أعمالهم بعض مظاهر الطغيان أو الظلم فإننى أشعر باننى محقّ فيما أقوله عنهم ) .. ثم يضيف: ( إنه ليس من حق أحد أن يموت صامتا دون أن يترك شيئا مفيدا لمن يأتى من بعده .. فنحن ملتزمون بأن ننقل إلى الأجيال التى تأتى من بعدنا حقيقة ماعانيناه .. ومهما تكن ردود الأفعال إلتى تترتب على ذلك فأنا لازلت مستعداً للدفاع عنها .. ولست أنوى الاعتذار لأحد )، بمثل هذه الصراحة والشجاعة في الرأى تناول كالويل مسألة الاستعمار الصهيونى في أسترليا . جاء أول احتكاك لكالويل بالمسألة الصهيونية عن طريق الصدفة المحضة وفى هذا يقول: " بعد ظهر أحد الأيام خلال النصف الثانى من عام 1940 كنت أتحدث إلى جون كيرتن [رئيس الوزراء فى ذلك الوقت] فى شارع كولينز بوسط ملبورن عندما مر أمامنا رجل عجوز ضئيل الجسم له لحية دبّ فيها المشيب .. تفرّس فيه كيرتن مليّاً ثم قال: أتعرف من هذا الرجل ..؟ فأجبت: لا .. فعقّب كيرتن قائلا: "إن اسم هذا الرجل هو شتاينبرج Steinberg .. كان وزيراً في حكومة لينين .. وقد وقّع عدداً من أحكام الإعدام على من أُعتبروا أعداء للثورة البلشفية أكثر من أى رجل أخر في روسيا .." يقول كالويل: لقد بدا كل هذا لى غريباً، فلم أكن قد سمعت من قبل عن شتاينبرج هذا .. ولا أن احداً من وزراء لينين قد جاء إلى أسترليا ، ولكنى علمت فيما بعد أن وزيراً آخر من وزراء لينين ذهب إلى سيدنى ومات هناك .. ويمضى كالويل قائلا: ( لم أتحدث مع كيرتن عن هذا الموضوع مرة أخرى ولا هو ذكره في لقائتنا التالية .. غير أننى شعرت أن هذا الرجل الضئيل المسمى دكتور شتاينبرج كان يسبب له الكثير من الإزعاج ... في سنة 1938 وقّعت الحكومة الأسترالية إتفاقية إيفان بفرنسا والتى بمقتاضاها تقبل أستراليا 15 ألف لاجئ سياسى من يهود ألمانيا والنمسا .. خلال السنوات الثلاثة التالية 1939إلى1941 .. والذى حدث أن أسترليا استقبلت 6457 مهاجرا فقط فيما بين سنة 1938 و1945 وذلك لأنه عندمانشبت الحرب العالمية سنة 1939 أصبح الطريق مغلقًا أمام اليهودللخروج من ألمانيا ... وقد جاء شتاينبرج إلى أسترليا في منتصف عام 1939 لمحاولة إقامة مستعمرة يهودية في منطقة ( كمبرلايز Kimberley’s الواقعة في الشمال الغربى لولاية غرب أستراليا ... يقول كالويل: كان شتاينبرج يتصور منطقةً مثل دولة إسرائيل تقام على ماوصفه بأنه سبعة ملايين فدان من الأرض البكر الخالية من السكان .. و قد علمت من الأحداث التى تلت ذلك وكذلك من خلال محادثاتى مع قادة اليهود في لندن أن شتاينبرج حاول أن يكسب تأييد اسرة روتشيلد وغيرهم من اليهود الأثرياء في أوربا لمشروعه ، ولكنهم لم يوافقوا على مقترحاته . ومع ذلك فقد كان شتينبرج من النوع الذى لايعر ف اليأس أو الاستسلام ..رجل ذو مقدرة وعناد شديدين .. ففي خلال بضعة أيام من وصوله إلى أستراليا استطاع ان يناقش مشروعه مع (جون كولينجز ويلكوك) رئيس وزراء ولاية غرب أستراليا التى تقع فيها منطقة كمبرلايز.. جاء شتاينبرج من لندن إلى بيرث عاصمة الولاية مندوبا عن (عصبةالأرض الحرة للإستيطان اليهودي) .. وقد إدعى شتاينبرج أن ويلكوك وافق على مشروعه .. ولكن ويلكوك علّق على هذا الإدعاء آنذاك قائلا: (بطبيعة الحال لابد لنا من ضمان أن أبناء قومك من اليهود سوف يستقرون في المستعمرة ويعملون على تنميتها وأنهم لن يهجروها إلى المدن ويصبحون بذلك عبئاً على الحكومة الاسترالية) . ويعقّب كالويل قائلا: كانت هذه ملاحظة حكيمة من ويلكوك وهى في الواقع نفس المشكلة التى كانت تقلق بال(كيرتن رئيس الوزراء الفيدرإلى ) حيث كان يتساءل: في حالة إقامة مستعمرة يهودية في كمبرلايز كيف يمكن أن نجعل أى فرد جاء تحت رعاية (عصبة الارض الحرة) يستقر في المنطقة اذا أراد ان يغادرها ..!؟ وكان كيرتن على يقين بانه لن يمر وقت طويل حتى يتململ بعض المستوطنين ويصبحون غير راضين عن الاقامة في المستعمرة وسوف يتحولون إلى سيدنى أوملبورن أو غيرها من عواصم الولايات الأسترالية الأخرى ...! وبالرغم من مقاومة كيرتن للفكرة إستطاع شتاينبرج أن يحصل على مساندة مجلس إتحاد نقابات العمال الاسترالي وعدد من قادة الكنائس المسيحية وقطاع كبير من الصحافة الأسترالية . يقول كالويل في مذكراته: عندما أفكر في هذا لموضوع الآن أجد أنه كان مشروعاً سخيفاً فقد كان مطلوباً من الاستراليين مراعاة لاعتبارات إنسانية وتعاطفاً مع مشكلات فئة من الناس أن يوافقوا على اقترح لم يكن تحقيقة ممكناً بأي حال، فابالدرجة الاولى لم يكن هناك ضمان أن الناس الذين سوف يستوطنون ( المستعمرة) يمكن أن يبقوا فيه،[ ولم يكن من الممكن أن نسلّم جزءًا من أرض أستراليا ليصبح قاصراً على جنس من البشر أو دين ما لإنشاء كيان منفصل تماماً عن بقية الأمة ...] كان كالويل يعرف حقيقة النوايا الصهيونية من مشروعها الاستيطانى في غرب أستراليا وكان مدركاً للنتائج الرهيبة التى يمكن أن تترتب على تنفيذ مثل هذا المشروع وكان يعرف أنه بموقفة يمثل رأى الغالبية العظمى من الشعب الأسترالي الذى قد يتعاطف مع الويلات التى صبها هتلر على يهود أوربا وقد يمنحهم مكاناًُ بينه مساعدةً منه في تخفيف ويلاتهم [ ولكنه لم يكن ليقبل أن يمنح اليهود مستعمرة يقيمون عليها دولة داخل الدولة ولذلك وقف كالويل بصلابة ضد مشروع شتاينبرج ] ... صحيح أن الكثيرين من يهود أوربا تيسّر لهم الدخول إلى أستراليا للالتحاق بأقاربهم وأسرهم المقيمة هناك .. وذلك خلال فترة تولّى كالويل منصب وزير الهجرة .. غير أنه في نفس الوقت عمل على إحباط مساعى شتاينبرج وتصدّى لحملات إتحاد نقابات العمال الأسترالية وحملات الصحافة ورجال الكنيسة وجميع الذين تعاطفوا مع مشروع شتاينبرج الصهيوني ... إن إتحاد نقابات العمال الأسترالي مؤسسة بالغة القوة والنفوذ قد لايقل عن نفوذ رئيس الوزراء الأسترالي إن لم يكن يزيد عليه .. وقد استطاعت الحركة الصهيونية أن تنفذ إلى قلب هذا الاتحاد .. ولها تكتيك نمطي فهى تتخير من الشخصيات ذات المستقبل الواعد من تتوسم فيهم مواهب خاصة تؤهلهم لأن يصبحوا في مراكز قيادية بارزة ومؤثرة .. وهى لاتكتفي بالاستحواذ على عقولهم وأفكارهم بل تعمد إلى قلوبهم أيضاً فتحيطهم بشبكة من العلاقات الشخصية الحميمة تجعلهم يقاتلون معاركها وكأنهم يدافعون عن مبادئهم الخاصة ... وأتابع فى حلقة قادمة قصة هذه المستعمرة الصهيونية إن شاء الله </td></tr></table>
قصة مستعمرة يهودية في أستراليا ـ محمد يوسف عدس محمد يوسف ع